إستفزني بشدة نوعين من الإعلانات التليفزيونية في رمضان
رغم أن كلها تقريباً مستفز لكن بدرجات متفاوتة !!
النوع الأول هو إعلانات الضرائب المصرية
مصلحتك أولاً ..... يا سيدي
والتي باتت تؤكد مرة بالترغيب ومرة بالترهيب على واجب كل من التاجر والمستهلك بضرورة سداد ضريبة المبيعات بشكل صحيح وضرورة البيع بالفاتورة لتتمكن خزينة الدولة من الحصول على الضريبة كاملة وهو ما سوف يمكنها بشكل ضمني من الإستمرار بتنفيذ خطط الحكومة للتنمية مثل إنشاء المستشفيات والمدارس والجامعات وما إلى ذلك من أعباء تقع على عاتق الدولة ولا يجدون على حد قولهم إمكانية لتنفيذها إلا من خلال مساندة قوى الشعب على إختلاف طبقاتها لهم (قال يعني ) وأنا لا أعترض على تنفيذ القانون بشكل صحيح أو معاونة الحكومة في أعبائها لكني أرفض وبشدة ترديد الحكومة لمبادئ معينة (مغلوطة) وبشكل قد يغالط الواقع ويستخف بالعقول.
أولاً فقانون الضريبة على المبيعات قد تنافى في شق منه مع مبدأ عالمي شهير هو عدم جواز إزدواج الضريبة أو إزدواج تحصيلها:
فعلى سبيل المثال عندما نستورد شيئاً ما من الخارج فإننا نسدد عنه جمارك وضريبة واردات وعندما يبيع المستورد هذه البضاعة لتاجر الجملة لا بد له من تحصيل ضريبة المبيعات منه بالفاتورة وذلك هو الصحيح لكن لو إفترضنا أن هذا التاجر باع تلك البضائع جزئياً لتاجر نصف جملة كيف يعيد تحصيل الضريبة ثم يأتي التاجر الأخير عند بيعها لتاجر القطاعي يحصل منه الضريبة مرة أخرى والذي بطبيعة الحال سوف يحصلها مرة أخرى وأخيرة من المستهلك!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
إن ذلك يتنافى وبشدة مع مبدأ إزدواج الضريبة وإن كان يتفق مع مبدأ التحصيل من المنبع لكن بشكل فج أدى إلى تحريفه في مصر إلى "التحصيل من الـــــمـــــــنـــــــــــابـــــــــــــــع"
ثانياً يؤكد الإعلان من خلال الممثل ظريف الأداء خفيف الدم ان الضرايب مصلحتك أولاً .... يا سيدي : إن ذلك بذاته يتعارض مع الدستور المصري (ما تتخضوش أنا قصدي بعد التعديل إياه) لأنهم أكدوا من خلاله أن الدولة سوف تتراجع عن دورها الخاص بالدعم رويداً رويداُ حتى تنتهي وتختفي كلمة الدعم من قاموسنا المصري وهو ما شعر به معظم المصريون (المثقفون) بعد ظهور كلمة الخصخصة في بلدنا العزيز على يد عمنا وحبيبنا عاطف عبيد والتي نفذوها على الفور دون مبالاة منهم بتناقضها مع أهم ركائز الدستور المصري ( قبل تعديله ) وهو مبدأ الإشتراكية، لا ننكر أن الخصخصة كانت ضرورية لمواجة حرامية القطاع العام وعلى رأسهم موظفينه لكنها تمت في وقت غير مناسب وعلى أشخاص غير أمينين على مصلحة هذا البلد،
ونرجع مرجوعنا يبقى إزاى الضرايب مصلحتك أولاً طالما الدولة مش حتدور على مصلحتك لا أولا ولا آخرا بعد إلغاء الدعم ؟؟؟؟؟؟؟ والحدق يفهم بقى يا عالم .....
أما النوع الثاني فهو إعلانات غرفة الصناعة المصرية
هو الشغل في المصنع عيب ؟ ؟ ؟
هو الشغل في المصنع عيب ؟ ؟ ؟
تفاجأت بهذا الإعلان في يوم ما أول رمضان والذي يخاطب عاطلاً جالساً على مقهى يلعب الطاولة أو الشطرنج وبيقوله "قوم يا أخي شوفلك شغلانه دول عايزين ناس" ثم تتغير نبرته كأنه قرفان من الشاب إياه الذي يعترض على موضوع العمل في مصنع.
طبعاً الشغل في مصنع مش عيب وعلى رأى الحكمة المتوارثه لدينا نحن المصريين المطحونين دوماً كلنا خدامين لقمة العيش، لـــــــــــكــــــــــــــن : سوف أتحدث عن نفسي قليلاً ليس كتباهي ولكن لأعرض لكم مثالاً واضحاً عن شباب هذه الأمة
لقد تلقيت تعليم المرحلتين الإبتدائية والإعدادية في مدرسة سان فنسان ميامي المشتركة الخاصة للغات وهوما كان يرهق والدي إرهاقاً كبيراً بالطبع من الناحية المادية خاصة وهو موظف حكومة في هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية أيامها
ثم إلتحقت بمدرسة حسني مبارك الثانوية بطوسون ثم كلية الحقوق جامعة الإسكندرية وتخرجت منها لأعمل بالمحاماة تمرينا بمقابل خمسون ثم مائة جنيه بعد القيد بنقابة المحامين والذي كان رسمه نحو ألف جنيه دفعها والدي أيضاً.
خلال كل ذلك عملت أثناء الدراسة بعدة أعمال بداية بالمعمار ثم بائع بمحل بقالة ثم محل حلويات ثم عامل بمشغل حلويات المواسم تبع كان كان محطة الرمل، ثم عملت بالمبيعات في شركة كمبيوتر لأني كنت أحمل لغتين أجنبيتين ثم تعلمت من هناك صيانة الحواسيب وتركيب الشبكات وذلك كله في سنوات تسبق عام 1996 ثم تابعت المسيرة العملية من خلال العمل بالكمبيوتر ومجال تكنولوجيا المعلومات وحصلت على منحة التدريب المتخصص من وزارة الإتصالات في مجال برمجة قواعد البيانات ثم أسست مكتبي الخاص "الفادي للإستشارات والنظم" والذي أسميت مدونتي بإسمه كما ترون.
إنني لا أرى ما يعيب في العمل بمصنع أو حتى في ورشة ، لكن الله سبحانه وتعالى أتى كل إنسان قدر من العقل والعلم ليجعل الناس طبقات ليس من الناحية الدينية ولكن إجتماعياً وذلك لا يتعارض مع المساواة بين البشر جميعاً أياً كان عمل كل منهم.
لكن ألا ترون معي أن عمل واحداً أو واحدة مثلي وهم كـــــــــــــثــــــــــــــــــيــــــــــرون جداً كعمال مصانع يسقط من قدرهم العلمي والعملي إضافة إلى ضياع جهود آهليهم في تعليمهم وضياع جهود الدولة ذاتها في دعم كل هؤلاء حتى تخرجهم.
لقد مررت بفترة نفسية عصيبة أثناء عملي بالمحاماة تركت على إثرها مكتب المحامي الذي كنت أتدرب عنده وهو محام ذو قدر كبير وفضلت المكوث على المقهى طول اليوم لفترة تجاوزت الستة أشهر وعندما تجاوزت ذلك وإستأنفت التمرين في مكتب آخر إكتشفت أنني قد نسيت معظم ما تعلمته في القانون والمحاماة.
إنني لا أستعرض هنا تاريخاً شخصياً لنفسي ولكنني أعرض مثالاً لشاب من مجمل عدة ملايين من الشباب في بلدنا أغلبهم من الطبقة المتوسطة مروا بظروف أصعب من ذلك وأثق أن بهم الكثير ممن هم أحسن مني علماً وعملاً.
فكيف تطالبهم بعد ذلك أن يعملوا بالمصانع ، هل تطالب طبيباً أو صيدلانياًَ أو مهندساً أو كيميائياً أو محاسباً أو محامياً بأن يبحث عن لقمة العيش كعامل في مصنع ، إذن من حق كل واحد منهم أن يبحث عما يروقه دون مراعاة للوضع الإجتماعي : فليعملوا إذن كسائقين تاكسي أو ميكروباص أو عمال محارة أو طبالين أو راقصين : فلا فرق هناك كلنا خدامين لقمة عيشنا ، والمهم أن تكون كسيباً على حد قول هذا الإعلان !!!!
فليرد أحداً ما !!!
ما ما ما ما
ما ما ما
ما ما
ما
آه إنه الصدى شكراً لحسن إستماعكم.

No comments:
Post a Comment